فصل: سنة عشر وسبعمائة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: العبر في خبر من غبر (نسخة منقحة)



.سنة ست وسبعمائة:

قدم من الشرق الشيخ براق العجمي في جمع نحو المائة، وفي رؤوسهم قرون من لبابيد، ولحاهم دون الشوارب محلقة، وعليهم أجراس. ودخلوا في هيبة، يجرون بشهامة، فنزلوا بالمنيبع ثم زاروا القدس، وشيخهم من أبناء الأربعين، فيه:إقدامٌ، وقوة نفس، وصولة، فما مكنوا من المضي إلى مصر. وكان تدق له نوبة، ونفذ إليه الكبار غنماً ودراهم.
وانشىء بحذاء الرباط الناصري جامع للأفرم، وخطب به القاضي شمس الدين بن العز. وحطوا على أهل جيلان عند خربندا، ونبه على أن يكون له نائب، وأنهم يسبون الأشعري وأبا حنيفة، فندب لحربهم خطلوشاه، فسار فكسبت الجيلانيون التتار وبثقوا عليهم من البحر سداً فانهزموا، وقتل بسهم طاغيتهم خطلوشاه الكافر.
وفيها توفي أمير سلاح بدر الدين بكتاش بن عبد الله الصالحي، كبير أمراء مصر، وله غزوات، ومواقف، وكان ذي عقل، ورأيٍ. قارب الثمانين.
ومات رئيس التجار الصدر جمال الدين إبراهيم بن محمد ابن السواملي العراقي، وله ستٌ وسبعون سنة. توفي بشيراز، والسوامل كالطاسات. كان يثقب اللؤلؤ فصمد ألفي درهم، ثم تجر وسار إلى الصين، فتمول وعظم، وضمن العراق من القآن. ورفق بالرعية، وصار له أولاد مثل الملوك، ثم صودر وأخذ منه أموال ضخمة.
ومات فجأةً خطيب دمشق الشيخ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الخلاطي ابن إمام الكلاسة، وحمل على الرؤوس، وصلى عليه الأفرم. وكان ديناً، صيناً، مليح الشكل، طيب الصوت، حسن الهدى. روى عن البرهان،
وابن عبد الدايم. أمّ بالكلاسة مدة، ثم خطب للخطابة. فأقام ستة أشهر ونصفاً، وخرج من الحمام، وصلى سنة الفجر فغشي عليه وانطفأ. فولي بعده الخطابة جلال الدين القزويني.
ومات بحلب مسندها علاء الدين سنقر القضائي الزيني، في شوال، عن سبع وثمانين سنة. تفرد باشياء. وحدث عن الموفق عبد اللطيف، وابن شداد، وابن روزبه، وابن الزبيدي، وأنجب الحمامي، وعدة. وكان ديناً، خيراً، صبوراً على الطلبة، أكثرنا عنه. رحمه الله.
ومات ببغداد العلامة المتفنن نصير الدين عبد الله بن عمر الفاروثي الشيرازي الشافعي، مدرس المستنصرية. قدم علينا دمشق، وظهرت فضائله بالعقليات.
ومات بالكرك الطواشي الأمير المعمر شمس الدين صواب السهيلي. وكان محتشماً متمولاً، بعيد الصيت.

.سنة سبع وسبعمائة:

عقد مجلس بالقصر فاستتيب النجم ابن خلكان من عبارات قبيحة، ودعاوٍ مبيحة للدم، وادعاء نبوة ما، فاختلفت فيه الآراء ومال إلى الترفق به الشيخ برهان الدين، فتاب. وصلى الخطيب بالبلد صلاة الفطر. وحضر بالمقصورة ملك الأمراء بسبب المطر.
ومات بمكة في آخر العام الماضي الزاهد الكبير الشيخ محمد بن أحمد ابن أبي بكر الحراني القزاز. وكان كثير التلاوة. روى عن عبد الله بن النحال،
وإبراهيم بن الخير. وجماعة وتفرد. كتبنا عنه.
ومات بدمشق كبير الأمراء ركن الدين بيبرس العجمي الصالحي الجالق. توفي بإقطاعه عن نحو الثمانين. وبقي في الإمرة زماناً.
ومات بمصر رئيسها الصاحب تاج الدين محمد بن الصاحب فخر الدين محمد بن الوزير بهاء الدين علي بن محمد بن حنا. ثنا عن سبط السلفي. وكان محتشماً، وسيماً، عادلاً، متمولاً. من رجال الكمال.
ومات بمكة شيخها الإمام القدوة أبو عبد الله محمد بن حجاج بن إبراهيم بن مطرف الأندلسي. في رمضان عن نيف وتسعين سنة جاور نحو ستين عاماً. وكان يطوف في الليلة واليوم خمسين أسبوعاً. وحمل نعشه صاحب مكة حميضة.
ومات بالقاهرة أقضى القضاة جمال الدين أبو بكر محمد بن عبد العظيم بن علي بن السقطي الشافعي. روى عن ابن باقا بالإجازة، وعن العلم بن الصابوني. وعاش خمساً وثمانين سنة. أكثروا عنه. وله أخ باسمه وهو العدل نجم الدين محمد. مات بعد النووي رحمهما الله.
ومات ببغداد مسندها الإمام رشيد الدين محمد بن أبي القاسم المقرىء الحنبلي، شيخ المستنصرية، في رجب عن أربع وثمانين سنة. سمع الكثير من عمر ابن كرم، والحسن بن أسيد، والسهروردي، وزكريا العلي، وعدة. وتفرد. وكتب المنسوب، وشارك في الفضائل واشتهر.
ومات بتبريز عالمها شمس الدين العبيدي، شيخ الشافعية. وقد أسن وخلف كتباً تساوي ستين ألفاً، توفي في ذي القعدة.
ومات بدمشق مسندها شهاب الدين محمد بن أبي العز بن مشرف بن بيان الأنصاري البزاز، شيخ الرواية بالدار الأشرفية في ذي الحجة عن ثمان وثمانين سنة وأشهر. حدث عن ابن الزبيدي، والناصح، وابن صباح، وابن باسويه، وابن المقير، ومكرم. وتفرد، واشتهر.

.سنة ثمان وسبعمائة:

أطلقت حماة لنائبها قبجق، فولي نظرها عبد الصمد بن المغيزل، وعزل الشرف محمد بن جمال الدين بن صصرى منها. وعزل ناظر دمشق أمين الدين أبو بكر بن الرقاقي فرد إلى مصر.
وسار السلطان إلى الكرك ليحج فدخلها، فبعث نائبها جمال الدين إلى مصر، وزهد في مملكة محجور عليه فيها، ولوح بعزل نفسه. فوثب على الملك ركن الدين بيبرس الجاشنكير، ولقب بالمظفر، وأقر على نيابة الملك سلار، وحلف له أمراء النواحي. وجاء كتاب الناصر من الكرك بأنه لا يؤذ أحداً، وقد اختار الانقطاع والعزلة بالكرك، وأن له عليهم بيعةً بالطاعة، وقد أمرهم بالطاعة لمن يتولى، ويشير بالاتفاق، وما فيه تصريحٌ بعزل نفسه، وولي برغلي موضع الذي تسلطن، ومكان برغلي بتخاص، ومكان بتخاص أقوش نائب الكرك. وركب المظفر بأبهة السلطنة، والسواد، والعمامة المدورة، والسيف الخليفتي، والأعيان مشاة، والصاحب حامل على رأسه التقليد من أمير المؤمنين في كيس أطلس أوله:إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم. وبلغ عدة الخلع ألفاً ومائتين.
ومات ببرزة الزاهد القدوة الكبير الشيخ عثمان بن عبد الله الحلبوني، وقد شاخ. وكان من الصعيد. طلع النائب والقضاة إلى جنازته. وكان ذا كشفٍ وتوجه وجدّ. ترك الخبز سنين.
ومات بمصر المسند أبو علي شهاب الدين بن علي المحسني من أبناء الثمانين. مكثرٌ عن ابن المقير، وابن رواج، والساوي.
ومات رئيس الطب بمصر العلم إبراهيم بن الرشيد بن أبي الوحش بن أبي حليقة، قيل:تركته ثلاثمائة ألف دينار.
وماتت المعمرة أم عبد الله فاطمة بنت سليمان بن عبد الكريم الأنصاري، في ربيع الآخر عن قريب التسعين بدمشق. لها إجازة من الفتح، وابن عفيجة، وجماعة. وسمعت المسلم المازني، وكريمة، وابن رواحة. وكانت صالحة. روت الكثير. وتفردت. لم تتزوج.
ومات في رجب الملك المسعود نجم الدين خضر بن الظاهر، في أول الكهولة، توفي فجأةً.
ومات شيخ الحرم ظهير الدين محمد بن عبد الله بن منعة البغدادي عن بضع وسبعين سنة. جاوز أربعين سنة، وحدث عن الشرف المرسي. توفي بناحية اليمن بالمهجم.
ومات الحافظ مفيد مصر شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن سامة الطائي السوادي الحنبلي، في ذي القعدة عن سبع وأربعين سنة. روى عن ابن عبد الدايم حضوراً، وسمع وكتب الكثير بدمشق، ومصر، وحلب، وبغداد، والبصرة، وأصبهان. وكان فصيحاً، متعبداً، كيساً، جيد المعرفة.
ومات بدمشق مسند الشام أبو جعفر محمد بن علي بن حسين السلمي العباسي الدمشقي بن الموازيني. وكان ديناً، متزهداً، حج مرات، وجاور. وتفرد عن أبي القاسم بن صصرى والبهاء عبد الرحمن، ورحل إليه. مات في نصف ذي الحجة عن أربع وتسعين سنة.
وماتت بحماة الجليلة أم عمر خديجة بنت عمر بن أحمد بن العديم في عشر التسعين. روت لنا عن الركن إبراهيم الحنفي.
ومات بغرناطة عالمها الحافظ المقرىء النحوي ذو العلوم أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي، في ربيع الأول عن ثمانين سنة.
طلب العلم في سنة ست وأربعين وستمائة، وسمع من جماعة. وتفرد بالسنن الكبير للنسائي عن أبي الحسن الشاري، بينه وبين المؤلف ستة أنفس.
ومات ببغداد شيخ المستنصرية المعمر عماد الدين إسماعيل بن علي بن الطبال. سمع عمر بن كرم، وابن روزبة، وجماعة، وتفرد.

.سنة تسع وسبعمائة:

بعث بابن تيمية مع مقدم إلى الإسكندرية فاعتقل ببرج، ومن أراد دخل إليه. وأبطلت الخمور، والفاحشة من السواحل. وفي وسط السنة ثار أمراء، وهموا بقتل المظفر بيبرس فتحرز، فساقوا على حمية إلى العريش ثم دخلوا الكرك، وحركوا همة السلطان. وكان رأسهم نغيه المنصوري، وهم فوق المائة، فسار السلطان قاصداً دمشق وراسل الأفرم، فتوقف وقال:كيف هذا وقد حلفنا للمظفر، ثم خذل وفر إلى الشقيف، ثم دخل السلطان إلى قصر الميدان وأتاه مسرعاً نائب حلب قراسنقر، ونائب حماه قبجق، ونائب الساحل أسندمر، والتف إليه جميع عساكر الشام ثم سار بهم بعد أيام في اهبة عظيمة نحو مصر، فبرز المظفر بجيوشه، فخامر عليه برغلي في أمراء، فخارت قوته، وانهزم نحو المغرب، ودخل السلطان إلى مقر ملكه يوم الفطر بلا ضربة ولا طعنة، ثم أمسك عدة أمراء عتاة، وخذل المظفر فجاء إلى خدمة السلطان فوبخه ثم خنقه، وأباد جماعة من رؤوس الشر وتمكن. وهرب نائبه سلار نحو تبوك، ثم خدع وجاء برجله إلى أجله، فأميت جوعاً، وأخذ من أمواله ما يضيق عنه الوصف من الجواهر، والعين، والملابس، والمزركش، والخيل المسومة، ما قيمته أزيد من ثلاثة آلاف ألف دينار. قل اللهم مالك الملك.
وثارت الحوازنة في هذه المدة، وأقاموا الهوى، وقتل منهم نحو الألف. وأظهر خربندا الرفض بمملكته وغير الخطبة، وشمخت الشيعة، وجرت فتن كبار. وانتزع كمال الدين بن الشيرازي بالجاه الشامية الكبرى من ابن الزملكاني باعتناء أسندمر. وأمسك نغيه المذكور وقيد ثم مات.
ومات بمصر غريباً شيخنا العلامة النحوي شمس الدين محمد بن أبي الفتح البعلي الحنبلي، بعد دخوله بأيام في المحرم عن أربع وستين سنة. ثنا عن الفقيه اليونني، وابن عبد الدايم. وطلب الحديث فأكثر منه، وأتقن النحو عن ابن مالك، وصنف شرحاً للجرجانية. وانتفع به جماعة من الفضلاء، مع الدين، والصيانة، والفقه، والتواضع.
ومات بدمشق كبير المؤذنين نجم الدين أيوب بن سليمان المصري المعروف بمؤذن النجيبي عن تسع وثمانين سنة.
وبلغنا موت نائب العراق أذينة، وكان مسلماً عادلاً، يأتي الجمعة ماشياً، ولي مدة.
ومات بمصر الأمير الكبير الوزير شمس الدين سنقر المنصوري الأعسر، وله عدة مماليك تقدموا. وكان كبيراً، شهماً، عارفاً، قيه ظلمٌ.
ومات بمصر الشيخ العارف المذكر تاج الدين أحمد بن محمد بن عطاء الله الإسكندراني، صاحب أبي العباس المرسي.
ومات بمكة مسندها المعمر الصالح أبو العباس أحمد ابن أبي طالب الحمامي البغدادي الزانكي، المجاور من زمان. في جمادى الآخرة عن بضع وثمانين سنة. سمع من الأنجب الحمامي أجزاء تفرد بها. أخذ عنه ابن مسلم القاضي. وشمس الدين بن الصلاح مدرس القيمرية، وأجاز لأبي عبد الله.
ومات بمصر الشيخ نبيه الدين حسن بن حسين بن جبريل الأنصاري، المعدل، عن تسع وسبعين سنة. سمع ابن المقير، وابن رواج وغيرهما.
وماتت بحلب المعمرة أم محمد شهدة بنت الصاحب كمال الدين عمر بن العديم العقيلي، وولدت يوم عاشوراء سنة تسع عشرة، وحضرت الكاشغري، وعمر بن بدر. ولها إجازة من ثابت بن مشرف. وكانت تكتب، وتحفظ أشياء، وتتزهد، وتتعبد، سمعت منها.
ومات بدمشق المقرىء المعمر أبو إسحق إبراهيم بن أبي الحسن بن صدقة المخرمي عن بضع وثمانين سنة. حدثنا عن ابن اللتي، وجعفر، ومكرم.

.سنة عشر وسبعمائة:

دخلت وسلطان الوقت الملك الناصر محمد. ونائبه بكتمر أمير جندار. والوزير فخر الدين عمر بن الخليلي. ونائب دمشق قراسنقر. ونائب حماه قبجق،
ونائب حلب أسندمر.
ودرس بالعذراوية الصدر سليمان الكردي. وبالشامية الجوانية الأمين سالم انتزعاهما من ابن الوكيل. ثم أعيدتا إليه بشفاعة أسندمر.
ثم ذهب أسندمر إلى حماه فأخرق قراسنقر بابن الوكيل فخارت قوته، وأسرع إلى القاضي الحنبلي فحكم بإسلامه. وكانت الرشوة إلى قراسنقر متواصلة. وجرت أمور. وكان يتبرطل من الجهتين ففسد النظام، وانعسفت الرعية. وكان يتهاون بالصلاة. ثم أخذت الشامية وردت إلى الأمين سالم، جاءه توقيع من مصر. وولي نظر الخزانة عز الدين أخو الجلال بن القلانسي بعد النجم البصروي. لأنه ولي الوزارة ونزل عن الحسبة لأخيه الفخر.
وفي أولها عزل ابن جماعة من القضاء بنائبه جمال الدين الزرعي لكونه امتنع يوم عقد المجلس لسلطنة المظفر فرآها له السلطان. ثم بعد عام أعيد ابن جماعة إلى المنصب، ثم جاء كتاب بعزل ابن الوكيل من جهاته. ثم وزر بالشام عز الدين حمزة بن القلانسي.
وولي مشيخة الخوانق بدمشق الشهاب الكاشغري الشريف، وكان قليل الخير.
وبعد أشهر أخذت من ابن الشيرازي الشامية فأعيدت إلى ابن الزملكاني. وفي نيسان مطرنا مطراً حمر كأعكر ماء الزيادة، وبقي أثر الطين على الثمر والورق نحو شهرين.
وأمسك أسندمر نائب حلب، وطوغان نائب إلبيرة. لكن طوغان أنعم عليه بشد دمشق.
ومات بمصر الشاعر المحسن شهاب الدين أحمد بن عبد الملك العزازي التاجر. وديوانه في مجلدين. عاش بضعاً وسبعين سنة.
ومات بمصر الصالح عبد الله بن ريحان التقوي. سمع ابن المقير، والعلم ابن الصابوني، وابن رواج. وكان سمساراً صدوقاً.
وماتت ببغداد ست الملوك فاطمة بنت علي بن علي بن أبي البدر. روت كتابي الدارمي وعبد بن حميد عن ابن بهروز الطبيب. توفيت في ربيع الأول.
ومات بالصالحية قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن حسن بن أبي موسى بن الحافظ عبد الغني المقدسي، مدرس الصاحبية الذي انتزع القضاء من تقي الدين سليمان بن حمزة، ثم عزل بعد ثلاثة أشهر، وأعيد تقي الدين. روى عن ابن عبد الدايم وعاش أربعاً وخمسين سنة.
ومات نائب طرابلس الحاج بهادر سيف الدين المنصوري.
ومات قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني السروجي الحنفي، أحد أئمة المذهب. عزل وطلب من دمشق ابن الحريري فولي مكانه، فتوفي السروجي بعد أيام في ربيع الآخر وله ثلاث وسبعون سنة. صنف التصانيف واشتهر.
وهلك جوعاً كما استفاض نائب الممالك سيف الدين سلار المغلي، وقد بلغ من الجاه والمال والعز ما لا مزيد عليه. تمكن إحدى عشرة سنة. وكان إقطاعه نحواً من أربعين طبلخاناه فحسبك. وكان أسمر، سهل الخدين، ليس بطويل، عاقلاً، ذا هيئة، قليل الظلم. مات في جمادى الأولى.
وفيه مات بحماه الأمير سيف الدين قبجق المنصوري أحد الشجعان والأبطال. وكان تركياً، تام الشكل، محبباً إلى الرعية. قارب الستين. ويقال سقي. والله أعلم.
ومات بدمشق المقرىء الخير أبو عمرو عثمان بن إبراهيم الحمصي النساخ في رجب عن ثلاث وثمانين سنة. حضر ابن الزبيدي. وروى كثيراً عن الضياء.
ومات بمصر شيخ الشافعية الشيخ نجم الدين أحمد بن محمد بن علي بن مرتفع، ابن الرفعة مصنف شرح الوسيط، وشرح التنبيه، وغير ذلك. وعاش نيفاً وستين سنة. توفي في رجب.
ومات في رمضان المسند العالم كمال الدين إسحاق، بن أبي بكر بن إبراهيم الأسدي الحلبي بن النحاس الحنفي عن بضعٍ وسبعين سنة أو ثمانين سنة. سمع ابن يعيش، وابن قميرة، وابن رواحة، وابن خليل فأكثر. ونسخ الأجزاء، وانقطع بموته شيء كثير.
ومات بتبريز عالم العجم العلامة قطب الدين محمود بم مسعود بن مصلح الشيرازي عن ست وسبعين سنة. توفي في سابع عشر رمضان. وله تصانيف وتلامذة. وكان ذا ذكاء باهر، ومزاح ظاهر.
ومات ببغداد في رمضان الإمام نجم الدين أبو بكر عبد الله بن أبي السعادات بن منصور بن أبي السعادات بن محمد الأنباري ثم البابصري المقرىء، خطيب جامع المنصور، وشيخ المستنصرية بعد ابن الطبال، وله اثنتان وثمانون سنة. سمع ابن بهروز، والأنجب الحمامي، وأحمد بن المارستاني.
ومات باللجون العلامة المتفنن الشيخ علي بن علي بن أسمح اليعقوبي، ويلقب مثلاً الناسخ، الزاهد، كان له عدة محفوظات. حفظ مصابيح البغوي، والمفصل، والمقامات، وسكن الروم، وركب البغلة. ثم تزهد وهاجر إلى دمشق، واستمر بدلق ومئزر صغير أسود. وتردد إلى المدارس، وأقرأ العربية.
ومات بمصر في ذي القعدة المعمر الصدر بهاء الدين علي بن الفقيه عيسى بن سليمان بن رمضان الثعلبي المصري ابن القيم. وكان ناظر الأوقاف. وذكر مرة للوزارة. وكان ديناً، خيراً، متواضعاً، حدث عن الفخر الفارسي، وابن باقا. وعاش سبعاً وتسعين سنة رحمه الله.

.سنة إحدى عشرة وسبعمائة:

عزل عن دمشق قراسنقر المنصوري- ولله الحمد- بكريه المنصوري الذي كان مجرداً بحلب.
وولي العذراوية شرف الدين حسين بن سلام لرواح سليمان الكردي مع قراسنقر.
وولي نظر المارستان النوري أيضاً ابن خطيب المصلي لرواح ابن الحداد أيضاً.
وأعطي الصاحب نجم الدين البصروي إمرةً، وخلع عليه لها بزي الوزراء. ووزر بمصر أمين الملك أبو سعيد المستوفي- الذي أسلم- عوضاً عن بكتمر الحاجب. وولي بحمص بيبرس العلائي.
وأعيد إلى القضاء ابن جماعة. وجعل الزرعي قاضي العسكر مع تدريساته.
وقرر على أملاك دمشق وأوقافها ألف وخمسمائة فارس، فقال الخطيب جلال الدين:أنا لها. ومشى إلى القضاة، وتجمع الناس، وكبروا، وحملوا المصحف، والأثر النبوي، وأعلام الخطبة. ورأى النائب كريه منظراً مزعجاً فغضب، وأهان الخطيب، وضرب الشيخ مجد الدين التونسي ورسم عليهم، فتألم الخلق ودعوا على كريه. فبعد تسعة أيام أخذ من النيابة وقيد وسجن بالكرك. وأمسك قطلبك نائب صفد، ونائب مصر بكتمر أمير جندار. وولي بمصر بيبرس الخطائي الدويدار صاحب التاريخ. وكانت نيابة كريه بدمشق نحو خمسة أشهر. ووليها جمال الدين أقوش الكركي. وولى صفد بهادر آص مديدةً.
ومات الصاحب فخر الدين عمر بن عبد العزيز بن الحسن بن الخليلي التميمي الداري المصري عن إحدى وسبعين سنة حدث عن المرسي. وولى وزارة الصحبة في آخر الدولة المنصورية. ثم وزر للعادل، والمنصور حسام الدين ثم عزل، ثم ولى للناصر ثم عزل، ومات معزولاً. وكان خبيراً بالأمور، شهماً، مقداماً، فيه كرمٌ وسؤدد. مات ليلة الفطر.
ومات في المحرم بالثغر، الزاهد العابد الإمام الناظم أبو حفص عمر بن عبد النصير السهمي القوصي، عن ست وتسعين سنة. ثنا بدمشق عن ابن المقير، وابن الجميزي، وحج مرات.
ومات بدمشق في صفر المسند الفاضل فخر الدين إسماعيل بن نصر الله بن تاج الأمناء أحمد بن عساكر عن اثنتين وثمانين سنة. ثنا عن ابن اللتي، ومكرم، وابن الشيرازي وطبقتهم. وشيعه الكبراء. وشيوخه نحو التسعين. كان مكثراً، وفيه خفةٌ وطيش، ولكنه فيه دين. ويذاكر بأشياء.
وماتت الصالحة المسندة أم فاطمة بنت الشيخ إبراهيم بن محمود بن جوهر البطائحي البعلي، والدة الشيخ إبراهيم بن القريشية وإخوته. توفيت في صفر عن ست وثمانين سنة. روت الصحيح عن ابن الزبيدي، مرات، وسمعت صحيح مسلم من ابن الحصيري شيخ الحنفية. وسمعت من ابن رواحة. دينة، متعبدة.
ومات بحماة قاضيها العلامة عز الدين عبد العزيز بن محيي الدين محمد ابن نجم الدين أحمد بن هبة الله بن العديم الحنفي، في ربيع الأول، ودفن بتربته عن ثمان وسبعين سنة. ثنا عن ابن خليل وسمع من يونس بن خليل، والضياء صقر، وهدية. وكان له اعتناء بالكشاف وبمفتاح السكاكي.
ومات الإمام القدوة الشيخ شمس الدين محمد بن أحمد بن أبي نصر الدباهي الحنبلي الصوفي عن خمس وسبعين سنة. وكان ذا تأله، وصدق، وعلم.
ومات بعده بيوم الإمام العارف الزاهد القدوة عماد الدين أحمد بن شيخ الحزامية إبراهيم بن عبد الرحمن الواسطي صاحب التواليف في التصوف، في ربيع الآخر عن أربعٍ وخمسين سنة، وكان من سادة السالكين. له مشاركة في العلوم، وعبارة عذبة، ونظم جيد.
ومات في جمادى الأولى، العدل المرتضي المسند عماد الدين أبو المعالي محمد بن علي بن محمد بن علي البالسي الدمشقي عن أربع وسبعين سنة. سمع من إسحق الشاغوري، وكريمة، وجماعة حضوراً، ومن السخاوي وابن قميرة، وابن شقيرا، وعمر بن البراذعي، وخلق. خرجت له معجماً كبيراً، ووقف أجزاءه. وكان محموداً في الشهادات. حسن الديانة.
ومات الشيخ الصالح الزاهد البركة الشيخ شعبان بن أبي بكر بن عمر الإربلي، شيخ مقصورة الحلبيين في رجب عن سبع وثمانين سنة. وكانت جنازته مشهودة. خرج له رفيقه ابن الظاهري عن محمد ابن النعالي، وعبد الغني بن بنين، والكمال الضرير وطبقتهم. وكان خيراً، متواضعاً، وافر الحرمة.
ومات القاضي المنشىء جمال الدين محمد بن مكرم بن علي الأنصاري الرويفعي بمصر، في شعبان عن اثنتين وثمانين سنة. يروي عن مرتضى، وابن المقير، ويوسف بن المخيلي، وابن الطفيل، وحدث بدمشق ومصر، واختصر تاريخ ابن عساكر، وله نظم ونثر، وفيه شائبة تشيع.
ومات شيخ التجويد، وصاحب الكتابة الباهرة، والإنشاء الجيد شرف الدين محمد بن شريف بن يوسف بن الوحيد الزرعي، من كتاب الدرج. كان شجاعاً، مقداماً، متكلماً، منشئاً. وهو متهم في دينه، يرمى بعظائم. توفي في شعبان وقد شاخ.
ومات وزير التتار سعد الدين محمد بن علي الساوجي، قتلوه مع رفيقه في الوزارة مبارك شاه، وطائفة، في شوال، خبث عليهم الشريف الآوي، فقتل أيضاً الكل ببغداد. قيل:عملوا على قتل القآن.
ومات العلامة شيخ الأدباء رشيد الدين بن كامل الرقي الشافعي عن ست وثمانين سنة درس وافتى، وبرع في الأدب. وكان وكيل بلاد حلب. وحدث عن ابن مسلمة وابن علان.
ومات بمصر العلامة الأصولي الخطيب، شمس الدين محمد بن يوسف الجزري مدرس المعزية، وخطيب جامع ابن طولون. وله تلامذة.
وهلك في سجن الكرك الأمير سيف الدين أسندمر الكرجي في آخر الكهولة. ولي البر بدمشق ثم نيابة طرابلس، ثم حلب. وكان بطلاً شجاعاً، سائساً، داهية، جباراً، ظلوماً، مهيباً. سمع بقراءتي صحيح البخاري. وهلك معه الأمير الكبير بتخاص.
ومات قاضي الحنابلة بمصر الإمام الحافظ سعد الدين مسعود بن أحمد الحارثي في ذي الحجة عن ستين سنة. حدث عن ابن البرهان، والنجيب، وابن علاق، وخلق. وكتب وصنف ورأس. وكان ديناً، صيناً، وافر الجلالة، فصيحاً، ذكياً، حكم سنتين ونصف. وكان من أئمة الحديث ومتقنيهم.
وخرّ في هذه الحدود خطيب غرناطة العلامة أبو محمد عبد الله بن أبي حمزة المرسي من فوق المنبر يوم الجمعة، ومات فجأةً وله نيف وثمانون سنة. روى بالإجازة عن ابن سالم الكلاعي.